المقريزي

299

رسائل المقريزي

العسل اعتدالا ، وفيه رائحة نور اللّوز ، وأكثر ما كان يؤتى به من بلاد الجزيرة . وكل نبات كثر ببلاد فيها نحل ، فإن الغالب على عسلها عسل ذلك الشجر ، وإذا اختلف نباتها لم يغلب على عسلها نبت بعينه . وقد يصير العسل مرا إذا جرست نحلة النور المرّ كعسل الأفسنتين « 1 » ، وليس من نبات بلاد العرب ، وفي عسله مرارة . وعسل السّدر « 2 » قليل الحلاوة ، قليل المتانة . ومن كلّ الشّجر تجرس النّحل ، إلّا أن تكون شجرة خبيثة الرائحة زهمة ، أو ذات سمّ ، فإنها لا تقرب من ذلك شيئا . وأجود العسل عند العلماء به : ما طاب ريحه ، وعذب طعمه ، وصدقت حلاوته ، ومتن حتى إذا مددته امتدّ ، وخلته لون الذهب ، فإذا قطر على الأرض استدار واجتمع إلى نفسه ؛ فإذا وعى العسل في الجرار علا أرقّه ، وسفل أمتنه وأجوده . وأمّا ما اسودّ من العسل فإنّه رديء ، ما لم يكن سواده من تقادم فإن العسل إذا تقادم مال إلى السّواد ، ونقصت حلاوته . وإذا كان العسل متينا صلبا فهو ضرب ، وكذلك الشهد ، يقال : « استضرب العسل إذا صلب واشتد » . وقد يبلغ من شدة العسل في بعض البلاد أن يكسر الشّهد كسرا ، والعسل المتقادم الشديد كله يستضرب . ويقال للعسل المتين : « حميت » ، ويقال للعسل الشديد : « جلس » ويقال لما رقّ من العسل : « وديس » . فصل : في ماهية العسل ذكر القدماء من الحكماء أن العسل طلّ خفىّ يقع على الزّهر ، وعلى غيره فيلقطه النّحل ، وذكر أنّ هذا الطّل بخار بتصاعده ، فيستحيل في تصاعده ،

--> ( 1 ) الأفسنتين : نبات عشبى برى ، ذو ورق أبيض ، وزهر أقحوانى وهو ذو طعم مرّ . ( 2 ) شجر النبق .